ستونهنج...
لا أستطيع الإمساك بالقلم بين أصابعي...صوت طائر ليلي يقطع عليّا ما أنا فيه من التّركيز البائس...أفتح نافذة مكتبي بحثا عن الطائر الذي لن أراه...لا شيء غير نجوم متناثرة هنا و هناك...ثمّ الصّمت...تجاوزت السّاعة منتصف اللّيل بكثير...وأحاول كتابة شيء ما...أيّ شيء...يرى أغلب النّاس في الرّوائي أو الشاعر ...أو أي مبدع آخر شيئا مهمّا و قيما أخلاقية طوباوية...ولا أرى فيه سوى كتل من العقد المركّبة التي استطاعت النّفاذ من سجون كهوف عقله المظلمة بطريقة أسلوبية مميّزة...ووصلت إلى صفحات دفاتره محاولة هي الأخرى الهروب من عقدها...وعقد كاتبها...أرغب بكتابة نص جنسيّ...أرغب كذلك بكتابة شيء ما حول حياتنا التافهة...ولكنّني مازلت لا أستطيع الإمساك بالقلم بين أصابعي...تناول عبد الكريم العود فاحتضنه ثم بدأت ريشته تعبث بأوتاره...ابتدأ اللحن حزينا...ثم مرحا...ثم عاد إلى الحزن مرة أخرى...ثم انتقل إلى أغنية " البحر بيضحك ليه" للفنان " الشيخ إمام عيسى"...كان الأستاذ...سي عبد الكريم...منفعلا بما كانت تصنعه ريشته متنقلة بين أوتار العود و كنّا...أنا و عبد الرِوف و فتحي الجبهاوي نتابع تقاسيم الرّجل التي التحمت بما كانت الألحان تنثره حولنا من الجمال...لا تزعجني الكتابات الغارقة في الاباحية...و لا يزعجني الحديث في الجنس أو الإثارة الجنسية...هذه أشياء إنسانية و لا علاقة لها بالأخلاق...فتحتُ زجاجة بيرة...أشعلتُ السيجارة اللّسْتُ أدري كم على ترتيب ما أحرقته من السّجائر ثم عدت أحاول الإمساك بالقلم بين أصابعي...داخل وجدان أي شخصٍ ذئبان...ذئبٌ أسود يقتات على الممنوع و المكبوت من الرغبات الغارقة في كهوف التّابوهات...وذئب أبيض يقتات على النّفاق الأخلاقي...عندما كنت مارا بالقرب من منزلنا، رأيت امرأة تتعرّى...اقتربت من النّافذة ثمّ بقيت أراقبها...لثوان، اعتقدت بأنّها قد اكتشفت وجودي...لم تتوقّف...واصلت نزع ملابسها القطعة إثر الأخرى ثم اتجهت نحو طاولة زينتها...عندما رأيت انعكاس وجهها على المرآة أدركت بأنّها كانت تراني...لقد حصل هذا بطريقة جعلتني لا أستطيع تحديد زمان حصوله...أو مكانه...كل ما أعرفه هو أنّ ما رأـيته قد حصل فعلا...عادة ما تكون الجملة الأولى مشكلا حقيقيّا لأي كاتب...فهي الحالة الإبداعية الأصيلة الأولى...أعشق الغوص في أعماق الذات الإنسانية...وأعشق أسرارها السّوداء...لا وجود لله في تلك الغابة البدائية...أجسادنا حقائق لا نستطيع تغييرها...بالقرب من محطة حافلات النقل بين المدن هناك مقهى لم أشرب في حياتي قهوة بالرداءة التي كانت عليها القهوة التي شربتُ هناك ذات مرة...وعلى الرغم من رداءة تلك القهوة الحقيرة، فقد ذهبت هناك مرات كثيرة...لا تتجاوز القصص هناك بعض الثواني أو الدّقائق...وقد رأيتها هناك ذات مرّة...كانت تجلس وحيدة إلى طاولة منعزلة...وكانت و كأنّها تنتظر شخصا ما...شدّتني حالة القلق التي كانت عليها...لم تكن من المسافرين الذين يجلسون على تلك المقهى بانتظار الحافلة التي سوف تحملهم إلى مكان ما...لقد كانت تنتظر شيئا آخر...زجاجة البيرة الباردة تبعث شيئا من الخدر في رأسي...وها قد عاد صوت الطائر اللّيلي ليقتحم رأسي مرّة أخرى...قرأت الكثير من الأدب الروسي المترجم إلى العربية...وقرأت روايات كثيرة على اللغة الفرنسية ومازلت بعض الجمل أو التراكيب الأسلوبية تسكن أعماقي...سوف أحاول كتابة الجملة الأولى...تجرّعت نصف زجاجة البيرة دفعة واحدة....أشعر بشيء يسقط من أعلى رأسي ليرتطم بالأرض...شيء حادٌّ اخترقني فجأة ثم هوى بسرعة نحو أرضية القاعة...كيف ستكون هذه الجملة التي لا أقدر على كتابتها....
- هل استمعتَ إلى موسيقى " جان ميشال جارْ"...؟
- نعم...كان ذلك في الثمانينات من القرن الماضي...
- وهل استمعت إلى " بيار باشلي"...؟
- نعم...وتعجبني خاصة أغنيته....." أتركيني"....
قالت لي ذاتَ مرّة بأنّني مدمنٌ...و بأنّه سيكون عليّا أن أُقلع عن شرب الخمر...جسد المرأة التي كانت تتعرّى أمامي رائع...ولا أتذكّر متى حصل هذا...ولا أتذكّر أين حصل...أشْعَلَتْ سيجارة ثمّ ألقت ببصرها على جحافل المسافرين...كان الطقس حارا جدا و كانت أجساد المسافرين مثل جثث الحيوانات النافقة في حقل مهجور...حاولت الغوص في أعماقها التي تبدو أكثر سودا من هذه اللّيلة القائضة...
- تسمحين لي بالجلوس...؟
- تفضّل...
- هل لي بسؤال....؟
- نعم...
- لاحظت بأنّك تأتين كل يوم إلى هنا...ولكنّك لا تسافرين إلى أي مكان...
- يزعجك هذا...؟
- لا...هو فقط الفضول....
- أجيءُ من أجل رجل لا أعرف عنه شيئا...
- هل التقيتِ به هُنا...؟
- لا...
- لماذا تنتظرينه هنا إذا....؟
تنبعث من بين أنامل الأستاذ موسيقى دافئة...وغير بعيد عنّا، كان هنالك سيارات عديدة اختار أصحابها الابتعاد عن القرية للسّكر و الغناء و تبادل الحكايات السريّة....أحاول مرّة أخرى كتابة الجملة الأولى...وسوف أحاول رواية قصتها...ذهبت إلى المطبخ فملأت فنجاني بالكثير من القهوة الرديئة ثم عدت لأجلس إلى مكتبي...كانت عيناها على لون عسلي دافئ ...ويبدو لي بأنّها متزوجة...شاهدتها على مقهى المحطة مرات كثيرة قد تتجاوز العشر مرات...وكانت دائما ترتدي نفس الشيء...نفس الفستان "الكريب"...نفس الحذاء الأسود العالي الكعب...نفس حقيبة اليد البنيّة...وكانت دائما تضع نفس الفولار الذي يغطي جزء هاما من وجهها...سوف لن ينتهي هذا اللّيل الأحمق...
- لماذا تسألني كلّ هذه الأسئلة...؟
- أعتقد بأنّه الفضول هو الذي يدفعني إلى ذلك....
- هل أنت كاتب...أو شيئا ما كهذا..؟
- تستطيعين قول ذلك...
قرأت في مكان ما من رواية فرنسية للكاتب " أندري مالرو..." لقد كانت هذه الجثة قبل قليل حيّة و كانت شيئا آخر غير ما هي عليه الآن"...حتى الأشياء الحيّة قد تفقد الحياة في لحظة ما و تتحوّل إلى مجرّد جثة تتقاذفها رياح أقدار لا قدرة لنا على التحكّم بها...
- هل أحببت امرأة في يوم ما...؟
- ما هو الحب...؟
- لا أعتقد بأنّني قادرة على تفسيره...أجبني...هل أحببت امرأة في يوم ما...؟
- نعم...ومازلت أحبّها...وأعتقد بأنّني لن أحبّ غيرها...
- هل كانت جميلة...؟
- نعم...
- من تراها منّا أجمل...أنا...أم هي....؟
- لا أدري...
- ماذا لو اكتشفت علاقتك بي...؟....ما الذي سوف تقوله لها...؟
- لا أدري...
كمال عبد الله...تونس...
لا أستطيع الإمساك بالقلم بين أصابعي...صوت طائر ليلي يقطع عليّا ما أنا فيه من التّركيز البائس...أفتح نافذة مكتبي بحثا عن الطائر الذي لن أراه...لا شيء غير نجوم متناثرة هنا و هناك...ثمّ الصّمت...تجاوزت السّاعة منتصف اللّيل بكثير...وأحاول كتابة شيء ما...أيّ شيء...يرى أغلب النّاس في الرّوائي أو الشاعر ...أو أي مبدع آخر شيئا مهمّا و قيما أخلاقية طوباوية...ولا أرى فيه سوى كتل من العقد المركّبة التي استطاعت النّفاذ من سجون كهوف عقله المظلمة بطريقة أسلوبية مميّزة...ووصلت إلى صفحات دفاتره محاولة هي الأخرى الهروب من عقدها...وعقد كاتبها...أرغب بكتابة نص جنسيّ...أرغب كذلك بكتابة شيء ما حول حياتنا التافهة...ولكنّني مازلت لا أستطيع الإمساك بالقلم بين أصابعي...تناول عبد الكريم العود فاحتضنه ثم بدأت ريشته تعبث بأوتاره...ابتدأ اللحن حزينا...ثم مرحا...ثم عاد إلى الحزن مرة أخرى...ثم انتقل إلى أغنية " البحر بيضحك ليه" للفنان " الشيخ إمام عيسى"...كان الأستاذ...سي عبد الكريم...منفعلا بما كانت تصنعه ريشته متنقلة بين أوتار العود و كنّا...أنا و عبد الرِوف و فتحي الجبهاوي نتابع تقاسيم الرّجل التي التحمت بما كانت الألحان تنثره حولنا من الجمال...لا تزعجني الكتابات الغارقة في الاباحية...و لا يزعجني الحديث في الجنس أو الإثارة الجنسية...هذه أشياء إنسانية و لا علاقة لها بالأخلاق...فتحتُ زجاجة بيرة...أشعلتُ السيجارة اللّسْتُ أدري كم على ترتيب ما أحرقته من السّجائر ثم عدت أحاول الإمساك بالقلم بين أصابعي...داخل وجدان أي شخصٍ ذئبان...ذئبٌ أسود يقتات على الممنوع و المكبوت من الرغبات الغارقة في كهوف التّابوهات...وذئب أبيض يقتات على النّفاق الأخلاقي...عندما كنت مارا بالقرب من منزلنا، رأيت امرأة تتعرّى...اقتربت من النّافذة ثمّ بقيت أراقبها...لثوان، اعتقدت بأنّها قد اكتشفت وجودي...لم تتوقّف...واصلت نزع ملابسها القطعة إثر الأخرى ثم اتجهت نحو طاولة زينتها...عندما رأيت انعكاس وجهها على المرآة أدركت بأنّها كانت تراني...لقد حصل هذا بطريقة جعلتني لا أستطيع تحديد زمان حصوله...أو مكانه...كل ما أعرفه هو أنّ ما رأـيته قد حصل فعلا...عادة ما تكون الجملة الأولى مشكلا حقيقيّا لأي كاتب...فهي الحالة الإبداعية الأصيلة الأولى...أعشق الغوص في أعماق الذات الإنسانية...وأعشق أسرارها السّوداء...لا وجود لله في تلك الغابة البدائية...أجسادنا حقائق لا نستطيع تغييرها...بالقرب من محطة حافلات النقل بين المدن هناك مقهى لم أشرب في حياتي قهوة بالرداءة التي كانت عليها القهوة التي شربتُ هناك ذات مرة...وعلى الرغم من رداءة تلك القهوة الحقيرة، فقد ذهبت هناك مرات كثيرة...لا تتجاوز القصص هناك بعض الثواني أو الدّقائق...وقد رأيتها هناك ذات مرّة...كانت تجلس وحيدة إلى طاولة منعزلة...وكانت و كأنّها تنتظر شخصا ما...شدّتني حالة القلق التي كانت عليها...لم تكن من المسافرين الذين يجلسون على تلك المقهى بانتظار الحافلة التي سوف تحملهم إلى مكان ما...لقد كانت تنتظر شيئا آخر...زجاجة البيرة الباردة تبعث شيئا من الخدر في رأسي...وها قد عاد صوت الطائر اللّيلي ليقتحم رأسي مرّة أخرى...قرأت الكثير من الأدب الروسي المترجم إلى العربية...وقرأت روايات كثيرة على اللغة الفرنسية ومازلت بعض الجمل أو التراكيب الأسلوبية تسكن أعماقي...سوف أحاول كتابة الجملة الأولى...تجرّعت نصف زجاجة البيرة دفعة واحدة....أشعر بشيء يسقط من أعلى رأسي ليرتطم بالأرض...شيء حادٌّ اخترقني فجأة ثم هوى بسرعة نحو أرضية القاعة...كيف ستكون هذه الجملة التي لا أقدر على كتابتها....
- هل استمعتَ إلى موسيقى " جان ميشال جارْ"...؟
- نعم...كان ذلك في الثمانينات من القرن الماضي...
- وهل استمعت إلى " بيار باشلي"...؟
- نعم...وتعجبني خاصة أغنيته....." أتركيني"....
قالت لي ذاتَ مرّة بأنّني مدمنٌ...و بأنّه سيكون عليّا أن أُقلع عن شرب الخمر...جسد المرأة التي كانت تتعرّى أمامي رائع...ولا أتذكّر متى حصل هذا...ولا أتذكّر أين حصل...أشْعَلَتْ سيجارة ثمّ ألقت ببصرها على جحافل المسافرين...كان الطقس حارا جدا و كانت أجساد المسافرين مثل جثث الحيوانات النافقة في حقل مهجور...حاولت الغوص في أعماقها التي تبدو أكثر سودا من هذه اللّيلة القائضة...
- تسمحين لي بالجلوس...؟
- تفضّل...
- هل لي بسؤال....؟
- نعم...
- لاحظت بأنّك تأتين كل يوم إلى هنا...ولكنّك لا تسافرين إلى أي مكان...
- يزعجك هذا...؟
- لا...هو فقط الفضول....
- أجيءُ من أجل رجل لا أعرف عنه شيئا...
- هل التقيتِ به هُنا...؟
- لا...
- لماذا تنتظرينه هنا إذا....؟
تنبعث من بين أنامل الأستاذ موسيقى دافئة...وغير بعيد عنّا، كان هنالك سيارات عديدة اختار أصحابها الابتعاد عن القرية للسّكر و الغناء و تبادل الحكايات السريّة....أحاول مرّة أخرى كتابة الجملة الأولى...وسوف أحاول رواية قصتها...ذهبت إلى المطبخ فملأت فنجاني بالكثير من القهوة الرديئة ثم عدت لأجلس إلى مكتبي...كانت عيناها على لون عسلي دافئ ...ويبدو لي بأنّها متزوجة...شاهدتها على مقهى المحطة مرات كثيرة قد تتجاوز العشر مرات...وكانت دائما ترتدي نفس الشيء...نفس الفستان "الكريب"...نفس الحذاء الأسود العالي الكعب...نفس حقيبة اليد البنيّة...وكانت دائما تضع نفس الفولار الذي يغطي جزء هاما من وجهها...سوف لن ينتهي هذا اللّيل الأحمق...
- لماذا تسألني كلّ هذه الأسئلة...؟
- أعتقد بأنّه الفضول هو الذي يدفعني إلى ذلك....
- هل أنت كاتب...أو شيئا ما كهذا..؟
- تستطيعين قول ذلك...
قرأت في مكان ما من رواية فرنسية للكاتب " أندري مالرو..." لقد كانت هذه الجثة قبل قليل حيّة و كانت شيئا آخر غير ما هي عليه الآن"...حتى الأشياء الحيّة قد تفقد الحياة في لحظة ما و تتحوّل إلى مجرّد جثة تتقاذفها رياح أقدار لا قدرة لنا على التحكّم بها...
- هل أحببت امرأة في يوم ما...؟
- ما هو الحب...؟
- لا أعتقد بأنّني قادرة على تفسيره...أجبني...هل أحببت امرأة في يوم ما...؟
- نعم...ومازلت أحبّها...وأعتقد بأنّني لن أحبّ غيرها...
- هل كانت جميلة...؟
- نعم...
- من تراها منّا أجمل...أنا...أم هي....؟
- لا أدري...
- ماذا لو اكتشفت علاقتك بي...؟....ما الذي سوف تقوله لها...؟
- لا أدري...
كمال عبد الله...تونس...

تعليقات
إرسال تعليق