نص من مجموعتي القصصية ( وشمٌ في ذاكرتي ) الصادرة عن دار المختار للنشر والتوزيع
وجــه بشــع
اصطدم بي.. سقطت حقيبتي، رفعها.. التقت أعيننا. قشعريرةٌ أصابتني كمن دُلقٓ عليه جردل ثلج، بلعني الخوف، وأصبحت هيكلا.. اعتذر بابتسامة حاول رسمها أطلقت خوف فأرةٍ وقعت في مصيدة، سحبت ابنتي الصغيرة لأهرب.
قوةٌ خارقة تفجّرت في عروقي فجأة، وتحدّيت خوفاً عتيقاً سكن أعماقي، وأعلنتها مواجهةً مفتوحةً لأوّل مرّة، أسلحتي كانت حقداً دفيناً، وصرخة مكتومة ظلّت تعذّبني سنين وسنين..
نظراته اللّزجة، لا تزال كما كانت، قيحاً يلوّث وجهي، فأمسحه، وألف شيطانٍ يتراقص فوق ابتسامته، أنيابه استطالت أكثر، حتى أحسستها تقطِّر دمي ودم ضحاياه الأخريات.
ذئباً جائعاً لا يزال.. لهثت أنفاسي خوفاً.. وشهوةٌ قديمةٌ تنزُّ عفناً، أنفاسه تلفحني، تحوم حولي. تصبّبتُ عرقاً في يومٍ تمّوزيٍّ بامتياز، أشعلته جحيماً، كست معالمي حممُ غضبي وتشظّيات ثورةٍ مكتومة.
سياطُ لهبٍ تضرب عشراتِ الأجساد المنهكة من الانتظار، طابورٌ طويل يقفُ بإعياء وضجر، وحفيفُ أوراقٍ يحملونها، يحاولون تحريك الهواء، علّ نسمةً باردة ترطّبُ أفواههم الجافّة.
علا اللغطُ فأزعج كهلًا خلف زجاج نافذةٍ نصف مفتوحة
يستقبل منها ملفّاتهم، يكدّسها فوق بعضها ويضعُ رأسه فوقها، وينام.
يعلو اللّغطُ، والتذمرّ تزداد وتيرته، ولعنات وسباب مكتوم، تطلقها بحذر أفواهٌ تيبَّست عطشاً وقهراً. يرفعُ رأسه ويصبُّ نظراتهِ لعنةً عليهم، يكزُّ على أسنانه، ويعاودُ النومَ على الورق من جديد..
عيونٌ تنتقل من وجه لأخر متسائلةً بصمت، وأخرى تداري غضبا مكتوماً.
وأنا لا أزال متحدّيةً، أنظر إليه بكلّ عنفوان ثورتي وحقدي المفاجئين، أمسح عرقاً أخذ يتصبّب من أظافري. أحسستُ بانغراس أنيابه في جسدي، أكاد أخلع جلدي، تطهيرا من تهمة لصقت به.
عذبةً، رقراقةً كانت مياهي، تعكّرت حين ألقى حجره وسدّ مجراها، فأنبتت أشواكاً مسمومة، ظلّت ترافقني.
وسط فوضى الذكريات وتداعياتها، سألني، وليس من صدى لكلماته في أذني. جملة قالها اقتلعتني من متاهاتي:
ـ ابنتك جميلة، تشبهك..
وبخوف خبّأت طفلتي خلف ظهري، أحمي جلدها الطريّ من إثم نظراته الباحثة عن الخطيئة. تتذمّر صغيرتي، بنت السابعة عشرة أجدها فجأة أصبحت، لا تمشي بقدمين، بجناحين شفّافين صارت تحلّق، كما كنت أنا الصغيرة القادمة من أعماق قرية جنوبيّة، نهارها تقاليدٌ وعيونٌ تترصّدك وتحصي أنفاسك، وليلها رصاصٌ مجنون يشقّ سكون الليل بين حين وحين، ومآتم في الصباح تقام..
أنا الصغيرة الحالمة، دخلت حرم الجامعة متعثرة خطاي، حاملةً وعوداً وأحلاماً كبيرة احتواها، واحتواني.. هو ابن المدينة بخبرة وتمرّس وتحت جناحيه طواني، وأطّر حركاتي وتطلّعاتي بإطارٍ اختاره، يناسب رغباته.
تقبّلته طوعاً وفرحاً أول الأمر.. انتفضت، وتمرّدت حين أصبحت أغلالاً تشلّ حركتي، وطوقاً ثقيلاً يلتفّ حول رقبتي، فأختنقت..
الجمال لعنة، حقيقةٌ لم أدركها إلا لاحقاً. نظراتٌ تلاحقني، وتطاردني أينما كنت، ارتحتُ لها، وفرحت، وامتلأت غروراً وزهواً، وحين استجبت، انتفض غول ُغضبه.. فاجأته جرأةٌ لم يعهدها من تلك الصغيرة، كانت قابعةً تحت جناحيه، متعثّرة الخطى، وطوقٌ ثقيلٌ تنوء تحت وطأته.. نبت لها جناحان، وطارت تستقبل الحياة.
عشت أحلاماً جميلة حملتها معي من قرية الشمس والرصاص، اغتالها بغفلة مني..
ــ تزوّجتِ؟ كم من الأبناء أنجبتِ؟
انتفضت من استغراقي وهذيان ذكرياتي على صوته يسأل..
ــ ثلاثة، وأنت؟
ــ ثلاثة أيضا، ولدان وبنت..
وبحقد عشرين عاماً، ملأها خيبةً، وخوفاً، وخذلاناً، حين اغتال أحلى سنيني، وأطفأ جذوة أحلامي، وشوّه ناصع صفحتي، قلت:
ـ قد تقع ابنتك فريسة ذئبٍ، مثلك.
انتفض، وابتسامة أحسستها مرعوبةً طافت على فمه..
ــ ليست جميلة، كما كنت أنت.
ـ الجمال إذن كان لعنتي، ومحنتي.
انتشلني صوت الموظّف المتثائب من جحيم آلامٍ تجري امام عينيّ لذكريات قاسية، كفّنتها ودفنتها في مقبرة مهجورة، وها هي الآن تنتصب أمامي بكلِّ جبروتها وقسوتها، تنخر في جسدي حدّ العظم.
سحبت ابنتي هاربة، وبلوعة وحرقة سنين ظننتها انطفأت، وأنا أرمي رصاص سؤالي..
ـ لماذا فعلت ذلك؟
صوتي منتحباً تفجّر، وضحكةٌ لم أدرك مغزاها صاحبت صوته الذي مزّقني..
ـ كي أنفرد بك.. ينبذك الجميع، حتى معجبينك.. وتبقين لي.. لي وحدي..
وضحكات غول تفزع نومي كل يوم...
وجــه بشــع
اصطدم بي.. سقطت حقيبتي، رفعها.. التقت أعيننا. قشعريرةٌ أصابتني كمن دُلقٓ عليه جردل ثلج، بلعني الخوف، وأصبحت هيكلا.. اعتذر بابتسامة حاول رسمها أطلقت خوف فأرةٍ وقعت في مصيدة، سحبت ابنتي الصغيرة لأهرب.
قوةٌ خارقة تفجّرت في عروقي فجأة، وتحدّيت خوفاً عتيقاً سكن أعماقي، وأعلنتها مواجهةً مفتوحةً لأوّل مرّة، أسلحتي كانت حقداً دفيناً، وصرخة مكتومة ظلّت تعذّبني سنين وسنين..
نظراته اللّزجة، لا تزال كما كانت، قيحاً يلوّث وجهي، فأمسحه، وألف شيطانٍ يتراقص فوق ابتسامته، أنيابه استطالت أكثر، حتى أحسستها تقطِّر دمي ودم ضحاياه الأخريات.
ذئباً جائعاً لا يزال.. لهثت أنفاسي خوفاً.. وشهوةٌ قديمةٌ تنزُّ عفناً، أنفاسه تلفحني، تحوم حولي. تصبّبتُ عرقاً في يومٍ تمّوزيٍّ بامتياز، أشعلته جحيماً، كست معالمي حممُ غضبي وتشظّيات ثورةٍ مكتومة.
سياطُ لهبٍ تضرب عشراتِ الأجساد المنهكة من الانتظار، طابورٌ طويل يقفُ بإعياء وضجر، وحفيفُ أوراقٍ يحملونها، يحاولون تحريك الهواء، علّ نسمةً باردة ترطّبُ أفواههم الجافّة.
علا اللغطُ فأزعج كهلًا خلف زجاج نافذةٍ نصف مفتوحة
يستقبل منها ملفّاتهم، يكدّسها فوق بعضها ويضعُ رأسه فوقها، وينام.
يعلو اللّغطُ، والتذمرّ تزداد وتيرته، ولعنات وسباب مكتوم، تطلقها بحذر أفواهٌ تيبَّست عطشاً وقهراً. يرفعُ رأسه ويصبُّ نظراتهِ لعنةً عليهم، يكزُّ على أسنانه، ويعاودُ النومَ على الورق من جديد..
عيونٌ تنتقل من وجه لأخر متسائلةً بصمت، وأخرى تداري غضبا مكتوماً.
وأنا لا أزال متحدّيةً، أنظر إليه بكلّ عنفوان ثورتي وحقدي المفاجئين، أمسح عرقاً أخذ يتصبّب من أظافري. أحسستُ بانغراس أنيابه في جسدي، أكاد أخلع جلدي، تطهيرا من تهمة لصقت به.
عذبةً، رقراقةً كانت مياهي، تعكّرت حين ألقى حجره وسدّ مجراها، فأنبتت أشواكاً مسمومة، ظلّت ترافقني.
وسط فوضى الذكريات وتداعياتها، سألني، وليس من صدى لكلماته في أذني. جملة قالها اقتلعتني من متاهاتي:
ـ ابنتك جميلة، تشبهك..
وبخوف خبّأت طفلتي خلف ظهري، أحمي جلدها الطريّ من إثم نظراته الباحثة عن الخطيئة. تتذمّر صغيرتي، بنت السابعة عشرة أجدها فجأة أصبحت، لا تمشي بقدمين، بجناحين شفّافين صارت تحلّق، كما كنت أنا الصغيرة القادمة من أعماق قرية جنوبيّة، نهارها تقاليدٌ وعيونٌ تترصّدك وتحصي أنفاسك، وليلها رصاصٌ مجنون يشقّ سكون الليل بين حين وحين، ومآتم في الصباح تقام..
أنا الصغيرة الحالمة، دخلت حرم الجامعة متعثرة خطاي، حاملةً وعوداً وأحلاماً كبيرة احتواها، واحتواني.. هو ابن المدينة بخبرة وتمرّس وتحت جناحيه طواني، وأطّر حركاتي وتطلّعاتي بإطارٍ اختاره، يناسب رغباته.
تقبّلته طوعاً وفرحاً أول الأمر.. انتفضت، وتمرّدت حين أصبحت أغلالاً تشلّ حركتي، وطوقاً ثقيلاً يلتفّ حول رقبتي، فأختنقت..
الجمال لعنة، حقيقةٌ لم أدركها إلا لاحقاً. نظراتٌ تلاحقني، وتطاردني أينما كنت، ارتحتُ لها، وفرحت، وامتلأت غروراً وزهواً، وحين استجبت، انتفض غول ُغضبه.. فاجأته جرأةٌ لم يعهدها من تلك الصغيرة، كانت قابعةً تحت جناحيه، متعثّرة الخطى، وطوقٌ ثقيلٌ تنوء تحت وطأته.. نبت لها جناحان، وطارت تستقبل الحياة.
عشت أحلاماً جميلة حملتها معي من قرية الشمس والرصاص، اغتالها بغفلة مني..
ــ تزوّجتِ؟ كم من الأبناء أنجبتِ؟
انتفضت من استغراقي وهذيان ذكرياتي على صوته يسأل..
ــ ثلاثة، وأنت؟
ــ ثلاثة أيضا، ولدان وبنت..
وبحقد عشرين عاماً، ملأها خيبةً، وخوفاً، وخذلاناً، حين اغتال أحلى سنيني، وأطفأ جذوة أحلامي، وشوّه ناصع صفحتي، قلت:
ـ قد تقع ابنتك فريسة ذئبٍ، مثلك.
انتفض، وابتسامة أحسستها مرعوبةً طافت على فمه..
ــ ليست جميلة، كما كنت أنت.
ـ الجمال إذن كان لعنتي، ومحنتي.
انتشلني صوت الموظّف المتثائب من جحيم آلامٍ تجري امام عينيّ لذكريات قاسية، كفّنتها ودفنتها في مقبرة مهجورة، وها هي الآن تنتصب أمامي بكلِّ جبروتها وقسوتها، تنخر في جسدي حدّ العظم.
سحبت ابنتي هاربة، وبلوعة وحرقة سنين ظننتها انطفأت، وأنا أرمي رصاص سؤالي..
ـ لماذا فعلت ذلك؟
صوتي منتحباً تفجّر، وضحكةٌ لم أدرك مغزاها صاحبت صوته الذي مزّقني..
ـ كي أنفرد بك.. ينبذك الجميع، حتى معجبينك.. وتبقين لي.. لي وحدي..
وضحكات غول تفزع نومي كل يوم...

تعليقات
إرسال تعليق