التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين تتشابك الخيوط/قصة قصيرة بقلم الاستاذة ليلى المراني

نص من مجموعتي القصصية ( وشم في ذاكرتي ) الصادرة عن دار المختار للطباعة والنشر في القاهرة
حين تتشابك الخيوط

حاول أن يسترخي على كرسيّه الجلدي، ونظرات صديقه تطارد شروده مستفهمةً.
قلَّب الأوراق المتراكمة على مكتبه بضجر، جامعاً كلّ خيوط المشهد في محاولةٍ لإعادة نسجها من جديد. ببطءٍ متثاقل أخذ شريط الأحداث يدور في رأسه المتعب.
"أتابعك كلّما ظهرتَ على شاشة التلفاز، أقرأ كل ما تكتب، وأنا من أشدّ المعجبات بك، وهنَّ كُثر"
تلعثم، وهمهمةٌ غير واضحة أطلقها، وبانسيابيّةٍ محبّبة حسدها عليها، استرسلت.
"بدايةً عرفتك عن طريق والدتي"..
مطارق ثقيلة تهوي بعنفٍ على رأسه، هي إذن تظنّه حسّاناً أخاه.
اللعنة، قالها في ضيق.. "ألم أخرج من عباءةِ حسّان؟ هل عليّ أن أبقى مختفياً تحت ظلّه؟ الشبه بيننا كبير هذا صحيح، لكنني أكثر وسامةً منه، وأكثر بلاهةً، بل أنا الأبله الوحيد في هذا الكون!". 
تابع شريط أحداث الذكريات ..على غير عادته، لم ينتظر سيارة
الدائرة تقلّه من منزله إلى الوزارة، خرج إلى الشارع..
خيوط الشمس دافئةً تتسلل تحت ثيابه، وشعور لذيذ بالخدر والانتعاش ينتابه . عند إشارة المرور سيّارةٌ فارهة توقّفت، نظرةٌ سريعةٌ ألقاها على الفتاة الأنيقة في المقعد الخلفي تبتسم له، خفق قلبه..
مسترخياً على كرسيّه يتذكر لهفته في صبيحة اليوم الثاني. مسرعاً تناول معطفه غير عابئ بتذمّر زوجته، ونظرة دهشة تستقريء سر لهفته، هو نفسه لم يدرك لتلك اللهفةِ معنى، سوى رغبة شديدة لرؤية تلك الصغيرة الأنيقة ثانيةً تلوّح له بيدها الرشيقة، مبتسمةً..
أخيراً رأته، الخال الذي حلمت أن تراه. هادراً بصوت عميق تشاهده على شاشة التلفاز، يلقي أشعاراً لم تكن تفهم معظمها، وصوت أمّها مفتخراً، هذا حسّان ابن عمّي، ازدادت تعلُقاً به، وحلمٌ بعيد أن تلتقيه يوماً، وها هو أمامها، وهو يسأل نفسه في دهشة.. "يا لهذه الطفلةِ الغريرة، أنا الأربعيني، أبٌ لثلاثة أبناء وزوجٌ لامرأةٍ أرتاح إليها وأطمئن، ما الذي يحدث معي؟ أمراهَقةٌ جديدة هي؟" والصغيرة تبتسم وتلوّح بيدها مودّعة..
عاد من رحلته، وسحب نفساً عميقاً.. مغمضاً عينيه.. غاص في كرسيّه الوثير.
زوجته في اليوم الثالث تولول.."أين أنت ذاهب؟ إنها تمطر بغزارة وأنت محموم" مسرعاً ارتدى معطفه، وتناول مظلّته وصوتها يلاحقه.. "كنت تهذي طوال الليل"  جفل مرتعباً وواصل تسبق لهفته خطاه..
والصغيرة تحلم برؤياه ثانيةً.. "سأطلب منه ديوانه الأخير بإمضائه."
ودعاءٌ خجولٌ يهتف في صدره ألاّ تأتي وتعفيه من هذا الصراع والتخبّط.
ببطء مرّت سيّارتها من أمامه، وعلى بعد بضعةِ أمتارٍ توقّفت. كمن يسير في نومه تحرّك حين أشارت إليه. المسافة بينه وبينها تتّسع وكأنّها دهور، وكأن يداً خفيّةً تمسك به وتسحبه إلى الوراء، ركض نحوها في إصرار، لاهثاً.. مبلّلاً.. ألقى بجسمه على المقعد الخلفيّ. مسافة شبرٍ أو ثلاثة تفصله عن ملاكه الصغير.. صباح الخير. خرجت من بين شفتيه ترتجف، وصوتٌ كتغريدة طير تسلّل عذباً شهيّاً إلى مسمعه.. صباح النور .. أهلاً خالي.
مطرقةٌ ثقيلةُ هوت على رأسه!..


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بكيتهُ شعراً/ بقلم الاستاذة الشاعرة عايدة حيدر

بكيتُهُ شعراً بكيتُهُ شعراً تنفستُهُ نبضاً وغفوتُ في أحلامهِ ذكرى فرحٌ في عينيَّ يتسابقُ معَ حبائل شباكي إليك الصدقُ من الكذبِ أجهشَ  بالبكاءٍ إليكَ وطني فاضَ اشتياقي سئمتُ الانتظارَ تهتُ في بحورِ الأزمنةِ فيضٌ من حنانٍ يتحملُ وزرَ المعاناةِ دقائقُهُ تمتطي صهوةَ حصانٍ شاردٍ أيُها الشوقُ لا تدعْ ! حنيني إليكَ ينطفيءُ ولا تدعْ! رحلتي دوامةً من عجائبٍ ما زلتُ كلما رأيتُكَ....- عذراً أخلفُ بوعدي - وضاحكة أتجاوزُ العذابَ والقهرَ وأنسى الشقاءَ الذي عذبني  وغباء  مني كتبتُ  لهُ نثري ! وإلى السلامِ أبوحُ بأسرارٍ يعجزُ عنها  لساني قلبي يهربُ مني وهو عاجزٌ عن الفرارِ وعن اتخاذِ قرارٍ! حزنٌ داخلي لا تهدأُ لوعتُهُ نبضُهُ ترحالٌ وأسفارٌ حنيني إلى أوطاني أرقٌ دمرَّ عمري أشقى حياتي أغرقني في ثمالتهِ وفي صخبِ دموعي يتوهُ ويهربُ مني الفرحُ وأنا إليهِ المشتاقةُ اشتياقي كأرضِ عطشى للمطرِ ولهمساتِ الحنانِ وجنونِ الضحكاتِ وشبابِ عمرٍ يكتبُ قصةَ طفولتي لعشقٍ تهتزُ له الأرضَ ولأحتراقِ أنينِ الأوجاعِ والغربةِ.. الفراقُ -بكيتُهُ شعراً -.. ١٨-١٢-٢٠...

لا يبني/ بقلم الشاعر القدير ابو وصفي المرعي

* رساله  البصره * لا يبني الحزن والموت ومصافگ هوى البيبان # عذبنی لا یبنی وصحت مليت # يهل البيت مامش صوت جاوبني لا يبني وعليمن جاي ؟ ما ظل ماي ماكو فياي حظي وبالشمس ذبني ترفه ونار وگلب جمار لهیب الشوگ ذوبني لا يبني وبچت نهران وابگلبي انگطع شریان هواي الچان ینطي الوان لون الليل تعبني لا يبني وشربت الماي چن مو ماي سم گطع جمیع اعضاي طلع ماي المنيه وغفل شاربني لا يبني اشبقه ابروحي وتعاتبني ونه المامش على المامش يدهربني ونه ابنيه # جنوبيه احچایة ضيم محچیه بصچم صایود مرمیه وحچي الناس صوبني لا يبني - ونه احديثه وحرامي. # الصبح سلبني واخذ مني ظفاير والنذل # سبني بعد شيفيد عض الإيد ؟ اذا راح المايروح اشلون !! شیردني ؟؟؟؟؟؟ اذا تبني والف يرمون لا تبني  ؟ # لا يبني - الوضع كله تخربط گوم رتبني صور صايح نجم فوگ الچتف طايح  #یدولبني - #لا يبني - ( ابو وصفي المرعي )

زهرة قلبي/ بقلم الاستاذة جوري أسعد

زهرة قلبي عندك يتوقف المحال تشرق من حبك شمس النهار ترسم كلماتك باللؤلؤ والمرجان إن غبت ... يحتحب القمر من السماء وتنزوي النجوم في كبد الفضاء