التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة قصيرة من كتاب وشم في ذاكرتي/ بقلم الأستاذة الأديبة ليلى المراني

نص من مجموعتي القصصية ( وشم في ذاكرتي ) الصادرة عن دار المختار للنشر والتوزيع في القاهرة

وشمٌ في ذاكرتي.............قصة قصيرة

دهشتُ إذ رأيتُه، عقود طويلة انصرمت، ألقت كلّ ما كان في دهاليز النسيان. مسحة من حزن قديم وعميق، وذهول، وجسم بالغ في نحوله، يدٌ مرتعشة رفعها ليمسح عرقاً تصبّب من جبهته، وبعيدًا.. بعيدًا إلى أعماق ذكريات دفينة، طار بي جناحا ذاكرتي التي توثّبت فجأة، أنا النحلة، ارتشفت من الأزهار رحيقها، وطرت، فراشة، لم تحدْني حدود، ولم ينكسر لي جناح، وهو، ابن عمّ لي من الدرجة الثانية، نظراته الولهى، أدركتها، وسخرت منها، حيرته وارتباكه يثير غروري؛ فأضحك، عبثيّة جذلى في تحليقي بدون قيود.
دخان السجائر، وكآبة المكان أطبقا على صدري، كدت أختنق، والذكريات تحاصرني، وشبح قريبي، جالس على مسافة ليست بالقصيرة، يحفّزني أن أترك المكان، و أطير، أطير إلى أين، وقد ترهّل جناحاي، وروحي أصابها الصدأ.
المناسبة نفسها، رأيته فيها قبل عقود، حفر الحزن أخاديد على وجهه الشاحب. الأنظار متّجهة إليه، متعاطفة معه، مستفسرة عمّا يؤول إليه مصير طفلين، اختطفت أمّهما في لحظة غدر، صغيرة لا تزال، في عزّ شبابها وتفتّح أنوثتها، حين سُرقت من بين أحضانه برعماً تفتّح لتوّه، وبكلّ عنفوان حبّه لها، وبكلّ ما تكدّس من حزن، أقسَمَ ألاّ تدخل بيته امرأة أخرى، الصغيران سيكونان امتداداً لحياة زوجيّة قصيرة.
رغبةٌ ملحة، وفضولٌ كبير سيطرا عليّ، أنا.. ألا تتذكّرني؟ حلم طاردك في نومك؛ فعذّبك، هتف صوتٌ في أعماقي، كاد ينطلق .
المكان والمناسبة، لا تشجّعان أن أدنو إليه، وجومٌ وحزن كثيفان، تعكسهما وجوهٌ صامتة، وهمهمات مكتومة تنطلق بين حين وحين، أكواب القهوة العربيّة المرّة ما انفكّت ترتشفها جرعةً، جرعة وبتلذّذ أفواه أبت أن تنطق؛ بتردّد، اقتربتُ منه، جفل، ونظرة غائمة طافت على وجهي، وهمست بصوت مخنوقً..
ـ نعم، أنا هي، هل تذكرني؟.
شبح ابتسامة حزينة، ابتلعها سريعاً، وجدتُني أهمس..
ـ .ألا يزال أولادك معك؟.
ـ تزوّجا، وأنجبا.
قال محاذراً، وساد الصمت من جديد، وأطبق سكون مطلق، رائحة القهوة تعبق في المكان، وهمسُ المعزّين يكاد لا يسمع، وقريبي تائه النظرات، يرتدي صمته. محاولتي في استدراجه إلى حديث قصير، تعثّرت، ثم تلاشت، وفي محاولة أخيرة أن أكون منقذاً لذلك الغريق..
ـ هل أحصل على نمرة هاتفك؟. قلت بتردّد، أطرق، ومتعثّرة خرجت كلماته..
ـ قبلك كثيرون وضعوا نمرة هاتفي في دهاليز النسيان.
صفعتني كلماته الحزينة وبخجل ابتسمتُ..
ـ سأتّصل، ثق سأتّصل.
هكذا أقسمتُ، وبكلّ يقين. وبكلّ ما حملته من ندم على نسيان تلك اللحظة سنين وسنين، اتّصلت..
ـ ليس هنا.
أجابني صوت امرأة بجفاء..
ـ أنا بنت عمّه.. أريد أن أطمئنّ عليه. أحسست أنَّ يداً خرجت لي من الهاتف، وصفعتني، وضحكةٌ ساخرة تصاحبها..انتظرك طويلاً ابن عمّك، وبعنفٍ خفق قلبي، ودورة كاملة لشريطٍ سينمائيّ احتلّت ذاكرتي. معادلة صعبة ثلاثيّة الأبعاد والرموز، هو، وحبّ من طرف واحد، وغرور صغيرة، فراشةً كانت، للتوّ مزّقت شرنقتها وحلّقتْ، وحفنة سنين محت رموز المعادلة.
ـ أين هو الآن من فضلك؟.
سؤال خائف تسلّل من فمي..
ـ في دار العجزة، أصيب بالزهايمر !.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بكيتهُ شعراً/ بقلم الاستاذة الشاعرة عايدة حيدر

بكيتُهُ شعراً بكيتُهُ شعراً تنفستُهُ نبضاً وغفوتُ في أحلامهِ ذكرى فرحٌ في عينيَّ يتسابقُ معَ حبائل شباكي إليك الصدقُ من الكذبِ أجهشَ  بالبكاءٍ إليكَ وطني فاضَ اشتياقي سئمتُ الانتظارَ تهتُ في بحورِ الأزمنةِ فيضٌ من حنانٍ يتحملُ وزرَ المعاناةِ دقائقُهُ تمتطي صهوةَ حصانٍ شاردٍ أيُها الشوقُ لا تدعْ ! حنيني إليكَ ينطفيءُ ولا تدعْ! رحلتي دوامةً من عجائبٍ ما زلتُ كلما رأيتُكَ....- عذراً أخلفُ بوعدي - وضاحكة أتجاوزُ العذابَ والقهرَ وأنسى الشقاءَ الذي عذبني  وغباء  مني كتبتُ  لهُ نثري ! وإلى السلامِ أبوحُ بأسرارٍ يعجزُ عنها  لساني قلبي يهربُ مني وهو عاجزٌ عن الفرارِ وعن اتخاذِ قرارٍ! حزنٌ داخلي لا تهدأُ لوعتُهُ نبضُهُ ترحالٌ وأسفارٌ حنيني إلى أوطاني أرقٌ دمرَّ عمري أشقى حياتي أغرقني في ثمالتهِ وفي صخبِ دموعي يتوهُ ويهربُ مني الفرحُ وأنا إليهِ المشتاقةُ اشتياقي كأرضِ عطشى للمطرِ ولهمساتِ الحنانِ وجنونِ الضحكاتِ وشبابِ عمرٍ يكتبُ قصةَ طفولتي لعشقٍ تهتزُ له الأرضَ ولأحتراقِ أنينِ الأوجاعِ والغربةِ.. الفراقُ -بكيتُهُ شعراً -.. ١٨-١٢-٢٠...

لا يبني/ بقلم الشاعر القدير ابو وصفي المرعي

* رساله  البصره * لا يبني الحزن والموت ومصافگ هوى البيبان # عذبنی لا یبنی وصحت مليت # يهل البيت مامش صوت جاوبني لا يبني وعليمن جاي ؟ ما ظل ماي ماكو فياي حظي وبالشمس ذبني ترفه ونار وگلب جمار لهیب الشوگ ذوبني لا يبني وبچت نهران وابگلبي انگطع شریان هواي الچان ینطي الوان لون الليل تعبني لا يبني وشربت الماي چن مو ماي سم گطع جمیع اعضاي طلع ماي المنيه وغفل شاربني لا يبني اشبقه ابروحي وتعاتبني ونه المامش على المامش يدهربني ونه ابنيه # جنوبيه احچایة ضيم محچیه بصچم صایود مرمیه وحچي الناس صوبني لا يبني - ونه احديثه وحرامي. # الصبح سلبني واخذ مني ظفاير والنذل # سبني بعد شيفيد عض الإيد ؟ اذا راح المايروح اشلون !! شیردني ؟؟؟؟؟؟ اذا تبني والف يرمون لا تبني  ؟ # لا يبني - الوضع كله تخربط گوم رتبني صور صايح نجم فوگ الچتف طايح  #یدولبني - #لا يبني - ( ابو وصفي المرعي )

زهرة قلبي/ بقلم الاستاذة جوري أسعد

زهرة قلبي عندك يتوقف المحال تشرق من حبك شمس النهار ترسم كلماتك باللؤلؤ والمرجان إن غبت ... يحتحب القمر من السماء وتنزوي النجوم في كبد الفضاء