التخطي إلى المحتوى الرئيسي

وكشَّ أنيابهُ ثانيةً/ قصة قصيرة للاستاذة ليلى المراني

أحد النصوص في مجموعتي القصصية ( وشمٌ في ذاكرتي )، التي صدرت عن دار المختار للطباعة والنشر في القاهرة

وكشّ انيابه ثانيةً

اصطدم بي.. سقطت حقيبتي، رفعها.. التقت أعيننا. قشعريرةٌ أصابتني كمن دُلقٓ عليه جردل ثلج، (اختضّت) لها كلّ خلايا جسدي. معتذراً، وابتسامةٌ حاول رسمها، أطلقت خوف فأرةٍ وقعت في مصيدة، سحبت ابنتي الصغيرة لأهرب. قوةٌ خارقة تفجّرت في عروقي فجأة، وتحدّيت خوفاً عتيقاً سكن أعماقي، وأعلنتها مواجهةً مفتوحةً لأوّل مرّة، أسلحتي كانت حقداً دفيناً، وصرخة مكتومة ظلّت تعذّبني سنين وسنين..
نظراته اللّزجة، لا تزال كما كانت، قيحاً يلوّث وجهي، فأمسحه، وألف شيطانٍ يتراقص فوق ابتسامته، أنيابه استطالت أكثر، حتى أحسستها تقطِّر دمي ودم ضحاياه الأخريات.
ذئباً جائعاً لا يزال.. لهثت أنفاسي خوفاً.. وشهوةً قديمةً تنزُّ عفناً، أنفاسه تلفحني، تحوم حولي. تصبّبتُ عرقاً في يومٍ تمّوزيٍّ بامتياز، أششعلته جحيماً حممُ غضبي وتشظّيات ثورةٍ مكتومة كست معالمي.
سياطُ لهبٍ تضرب عشراتِ الأجساد المنهكة من الانتظار، طابورٌ طويل يقفُ بإعياء، وحفيفُ أوراقٍ يحملونها، يحاولون تحريك الهواء، علّ نسمةً باردة ترطّبُ أفواههم الجافّة.
علا اللغطُ فأزعج كهلاً، خلف زجاج نافذةٍ نصف مفتوحة يستقبل منها ملفّاتهم، يكدّسها فوق بعضها ويضعُ رأسه فوقها، وينام.
يعلو اللّغطُ، والتذمرّ تزداد وتيرته، ولعنات وسباب مكتوم، تطلقها بحذر أفواهٌ تيبَّست عطشاً وقهراً. يرفعُ رأسه ويصبُّ نظراتهِ لعنةً عليهم، يكزُّ على أسنانه، ويعاودُ النومَ على الورق من جديد..
عيونٌ تنتقل من وجه لأخر متسائلةً بصمت، وأخرى تداري غضبا مكتوماً، وأنا لا أزال متحدّيةً، أنظر إليه بكلّ عنفوان ثورتي وحقدي المفاجئين، وأمسح عرقاً أخذ يتصبّب حتى من أظافري. أحسستُ بانغراس أنيابه في جسدي، حتى أكاد أخلع جلدي، تطهيرا من تهمة لصقت به.
عذبةً، رقراقةً كانت مياهي، تعكّرت حين ألقى حجره وسدّ مجراها، فأنبتت أشواكاً مسمومة، ظلّت ترافقني.
وسط فوضى الذكريات وتداعياتها، سألني، وليس من صدى لكلماته في أذني. جملة قالها اقتلعتني من متاهاتي: ابنتك جميلة، تشبهك..
وبخوف، خبّأت طفلتي خلف ظهري، أحمي جلدها الطريّ من إثم نظراته الباحثة عن الخطيئة. تتذمّر صغيرتي، بنت السابعة عشرة أجدها فجأة أصبحت، لا تمشي بقدمين، بجناحين شفّافين صارت تحلّق، كما كنت أنا الصغيرة القادمة من أعماق قرية جنوبيّة، نهارها تقاليدٌ وعيونٌ تترصّدك وتحصي أنفاسك، وليلها رصاصٌ مجنون يشقّ سكون الليل بين حين وحين، ومآتم في الصباح تقام..
متعثّرة خطاي، دخلت حرم الجامعة، حاملةً وعوداً وأحلاماً كبيرة احتواها، واحتواني.. هو ابن المدينة بخبرة وتمرّس وتحت جناحيه طواني، وأطّر حركاتي وتطلّعاتي بإطارٍ اختاره، يناسب رغباته.
تقبّلته طوعاً وفرحاً أول الأمر.. انتفضت، وتمرّدت حين أصبحت أغلالاً تشلّ حركتي، وطوقاً ثقيلاً يلتفّ حول رقبتي، فأختنق..
الجمال لعنة، حقيقةٌ لم أدركها الاّ لاحقاً. نظراتٌ تلاحقني، وتطاردني أينما كنت، ارتحتُ لها، وفرحت، وامتلأت غروراً وزهواً، وحين استجبت، انتفض غول ُغضبه.. فاجأته جرأةٌ لم يعهدها من تلك الصغيرة،  قابعةً تحت جناحيه كانت، متعثّرة الخطى، وطوقٌ ثقيلٌ تنوء تحت وطأته.. نبت لها جناحان، وطارت تستقبل الحياة.
عشت أحلاماً جميلة حملتها معي من قرية الشمس والرصاص، اغتالها بغفلة مني..
ــ تزوّجتِ؟ كم من الأبناء أنجبتِ؟
انتفضت من استغراقي وهذيان ذكرياتي على صوته يسأل..
ــ ثلاثة، وأنت؟
ــ ثلاثة أيضا، ولدان وبنت..
وبحقد عشرين عاماً، ملأها خيبةً وخوفاً، وخذلاناً، حين اغتال أحلى سنيني، وأطفأ جذوة أحلامي، وشوّه ناصع صفحتي، قلت:
ـ قد تقع ابنتك فريسة ذئبٍ، مثلك.
انتفض، وابتسامة أحسستها مرعوبةً طافت على فمه..
ــ ليست جميلة، كما كنت أنت.
الجمال إذن كان لعنتي، ومحنتي.
انتشلني صوت الموظّف المتثائب من جحيم آلامٍ حملتها عشرين عاماً، كفّنتها ودفنتها في مقبرة مهجورة، وها هي الآن تنتصب أمامي بكلِّ جبروتها وقسوتها، تنخر في جسدي حدّ العظم.
سحبت ابنتي هاربة، وبلوعة وحرقة سنين ظننتها انطفأت، وأنا أرمي رصاص سؤالي..
ـ لماذا فعلت ذلك؟
صوتي منتحباً تفجّر، وضحكةٌ لم أدرك مغزاها صاحبت صوته الذي مزّقني..
ـ كي أنفرد بك.. ينبذك الجميع، حتى معجبينك.. وتبقين لي.. لي وحدي..
وضحكات غول تفزع نومي كل يوم!.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بكيتهُ شعراً/ بقلم الاستاذة الشاعرة عايدة حيدر

بكيتُهُ شعراً بكيتُهُ شعراً تنفستُهُ نبضاً وغفوتُ في أحلامهِ ذكرى فرحٌ في عينيَّ يتسابقُ معَ حبائل شباكي إليك الصدقُ من الكذبِ أجهشَ  بالبكاءٍ إليكَ وطني فاضَ اشتياقي سئمتُ الانتظارَ تهتُ في بحورِ الأزمنةِ فيضٌ من حنانٍ يتحملُ وزرَ المعاناةِ دقائقُهُ تمتطي صهوةَ حصانٍ شاردٍ أيُها الشوقُ لا تدعْ ! حنيني إليكَ ينطفيءُ ولا تدعْ! رحلتي دوامةً من عجائبٍ ما زلتُ كلما رأيتُكَ....- عذراً أخلفُ بوعدي - وضاحكة أتجاوزُ العذابَ والقهرَ وأنسى الشقاءَ الذي عذبني  وغباء  مني كتبتُ  لهُ نثري ! وإلى السلامِ أبوحُ بأسرارٍ يعجزُ عنها  لساني قلبي يهربُ مني وهو عاجزٌ عن الفرارِ وعن اتخاذِ قرارٍ! حزنٌ داخلي لا تهدأُ لوعتُهُ نبضُهُ ترحالٌ وأسفارٌ حنيني إلى أوطاني أرقٌ دمرَّ عمري أشقى حياتي أغرقني في ثمالتهِ وفي صخبِ دموعي يتوهُ ويهربُ مني الفرحُ وأنا إليهِ المشتاقةُ اشتياقي كأرضِ عطشى للمطرِ ولهمساتِ الحنانِ وجنونِ الضحكاتِ وشبابِ عمرٍ يكتبُ قصةَ طفولتي لعشقٍ تهتزُ له الأرضَ ولأحتراقِ أنينِ الأوجاعِ والغربةِ.. الفراقُ -بكيتُهُ شعراً -.. ١٨-١٢-٢٠...

لا يبني/ بقلم الشاعر القدير ابو وصفي المرعي

* رساله  البصره * لا يبني الحزن والموت ومصافگ هوى البيبان # عذبنی لا یبنی وصحت مليت # يهل البيت مامش صوت جاوبني لا يبني وعليمن جاي ؟ ما ظل ماي ماكو فياي حظي وبالشمس ذبني ترفه ونار وگلب جمار لهیب الشوگ ذوبني لا يبني وبچت نهران وابگلبي انگطع شریان هواي الچان ینطي الوان لون الليل تعبني لا يبني وشربت الماي چن مو ماي سم گطع جمیع اعضاي طلع ماي المنيه وغفل شاربني لا يبني اشبقه ابروحي وتعاتبني ونه المامش على المامش يدهربني ونه ابنيه # جنوبيه احچایة ضيم محچیه بصچم صایود مرمیه وحچي الناس صوبني لا يبني - ونه احديثه وحرامي. # الصبح سلبني واخذ مني ظفاير والنذل # سبني بعد شيفيد عض الإيد ؟ اذا راح المايروح اشلون !! شیردني ؟؟؟؟؟؟ اذا تبني والف يرمون لا تبني  ؟ # لا يبني - الوضع كله تخربط گوم رتبني صور صايح نجم فوگ الچتف طايح  #یدولبني - #لا يبني - ( ابو وصفي المرعي )

زهرة قلبي/ بقلم الاستاذة جوري أسعد

زهرة قلبي عندك يتوقف المحال تشرق من حبك شمس النهار ترسم كلماتك باللؤلؤ والمرجان إن غبت ... يحتحب القمر من السماء وتنزوي النجوم في كبد الفضاء